أحمد بن علي القلقشندي

12

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ ، وأعمّها ( 1 ) في العدل ، وأجمعها لرضا الرّعيّة ؛ فإنّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصّة ، وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة ؛ وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرّخاء ، وأقلّ معونة له في البلاء ، وأكره للإنصاف ( 2 ) ، وأسأل بالإلحاف ، وأقلّ شكرا عند الإعطاء ، وأبطأ عذرا عند المنع ، وأضعف صبرا عند ملمّات الدّهر ، من أهل الخاصّة ؛ وإنما عمود الدّين ، وجماع المسلمين ، والعدّة للأعداء العامّة من الأمّة . فليكن صغوك لهم ، وميلك معهم ؛ وليكن أبعد رعيّتك منك ، وأشنؤهم عندك ، أطلبهم لمعايب الناس : فإنّ في الناس عيوبا الوالي أحقّ بسترها ؛ فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها ، فإنّما عليك تطهير ما ظهر [ لك ] ( 3 ) واللَّه يحكم على ما غاب عنك منها ( 4 ) . فاستر العورة ما استطعت يستر اللَّه ما تحبّ ستره من عيبك ( 5 ) . أطلق عن الناس عقدة كلّ حقد ، واقطع عنهم سبب كلّ وتر ، وتغاب عن كلّ ما لا يضح لك ؛ ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع : فإنّ الساعي غاشّ وإن تشبّه بالناصحين ؛ ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ، ولا جبانا يضعفك عن الأمور ، ولا حريصا يزيّن لك الشّره بالجور : فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظنّ باللَّه . إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شاركهم في الآثام ، فلا يكوننّ لك بطانة ، فإنهم أعوان الأثمة ، وإخوان الظَّلمة ؛ وأنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم ونفاذهم ، وليس عليه مثل اصارهم وأوزارهم ( 6 ) : ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه ، ولا آثما على إثمه ؛ أولئك أخفّ عليك مؤونة ، وأحسن

--> ( 1 ) في مآثر الإنافة : « وأعملها » . ( 2 ) في مآثر الإنافة : « وأكثر للانتصاف » . ( 3 ) الزيادة من نهج البلاغة . ( 4 ) اللفظ غير موجود في نهج البلاغة . ( 5 ) في نهج البلاغة : « من رعيتك » . ( 6 ) في نهج البلاغة : « وأوزارهم وآثامهم » .